سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
35
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
فصعد السيد جمال الدين على منبر الخطابة وألقى ما كان أعدّه ببلاغة سحرت عقول السامعين فأرسل « حسن فهمي أفندي » - شيخ الإسلام - أشعة نظره في تضاعيف الكلام ليصيب منه حجة تمكنه من التمثيل به ، وما كان يجدها لو طلب حقا ولكن كان الخطاب في تشبيه المعيشة الإنسانية ببدن حي ، وأن كل صناعة بمنزلة عضو من ذلك البدن ، تأتي من المنفعة في المعيشة ما يؤديه العضو في البدن ! فشبه « الملك » مثلا بالمخ ! الذي هو مركز التدبير والإرادة ، والحدادة بالعضد والزراعة بالكبد ، والملاحة بالرجلين . ومضى في سائر الصناعات والأعضاء حتى أتى على جميعها ببيان ضاف واف . ثم قال : هذا ما يتألف منه جسم السعادة الإنسانية - ولا حياة لجسم إلا بروح - وروح هذا الجسم إما « النبوة » وإما « الحكمة » ولكن يفرق بينهما بأن النبوة « منحة إلهية » لا تنالها يد الكاسب بل يختص الله بها من يشاء من عباده والله أعلم حيث يجعل رسالاته . أما « الحكمة » فمما يكتسب بالفكر والنظر بالمعلومات وبأن النبي معصوم من الخطأ والحكيم يجوز عليه الخطأ بل يقع فيه . وأن أحكام النبوات آتية على ما في علم الله ، لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها ، فالأخذ بها من فروض الإيمان . أما آراء الحكماء فليس على الذمم فرض اتباعها ، إلا من باب ما هو الأولى والأفضل على شرط أن لا يخالف الشرع الإلهي . هذا ما ذكره متعلقا بالنبوة وهو منطبق على ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية ، لا أن « حسن فهمي أفندي » أقام من الحق باطلا ، ليصيب غرضه من الانتقام ، فأشاع أن السيد جمال الدين زعم أن النبوة « صنعة » ! واحتج لتثبيت الإشاعة بأنه ذكر النبوة في خطاب يتعلق بالصناعة - وهكذا تكون حجج طلاب العنت - ثم أو عز إلى الوعاظ في المساجد أن يذكروا ذلك محفوفا بالتفنيد والتنديد ! فاهتم السيد جمال الدين للمدافعة عن نفسه وإثبات براءته مما رمي به ، ورأى أن ذلك لا يكون إلا بمحاكمة شيخ الإسلام ! ( وكيف يكون ذلك ؟ ! ) واشتد في طلب